أبي منصور الماتريدي

465

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

يحتمل النهى نفسه نهاه أن يحزن عليهم ؛ إشفاقا عليهم ؛ بل أمره أن يغلظ عليهم ؛ كقوله : جاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ [ التوبة : 73 ] ، وعلى هذا يخرج قوله : وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ [ الحجر : 88 ] أي : ارفق بهم ، ولن عليهم ، واشدد على أولئك ، وأغلظ عليهم ؛ وهو ما وصفهم : أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ [ الفتح : 29 ] ، أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ [ المائدة : 54 ] أخبر أنهم أهل شدة على الكفار وأهل غلظة ، رحماء بينهم ، وأهل ذلّة على المؤمنين ، وأهل شدة عليهم ؛ أي : على الكفار ، فعلى ذلك هذا . ويحتمل أن ليس على النهي ؛ ولكن على التخفيف والتسلي ، ودفع الحزن عن نفسه ؛ لأنه كان يحزن لكفرهم بالله وتركهم الإيمان ؛ حتى كادت نفسه تتلف لذلك ؛ كقوله : لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ الآية [ الشعراء : 3 ] وقوله : فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ الآية [ فاطر : 8 ] وأمثاله . ويحتمل أيضا وجها آخر : وهو أنه كان يحزن عليهم ، ويضيق صدره ؛ لما مكروا به وكادوه ؛ كقوله : وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ [ النحل : 127 ] فإني أكافئهم . والله أعلم . وقوله - عزّ وجل - : وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ . يحتمل : أنا النذير على معاصيه ، المبين على طاعاته ، أو النذير على العصاة من عذاب الله ، المبين لأموره ونواهيه . والله أعلم . وقوله - عزّ وجل - : كَما أَنْزَلْنا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ . الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ . قال الحسن : الكتب كلها قرآن ؛ يعني كتب الله اقتسموها وجعلوها عضين ؛ أي : فرقوها بالتحريف والتبديل ؛ فما وافقهم أخذوه ، وما لم يوافقهم غيّروه وبدلوه ؛ كقوله : يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هذا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا [ المائدة : 41 ] ونحوه ، فذلك اقتسامهم وتعضيتهم على قوله ، وكقوله : تَجْعَلُونَهُ قَراطِيسَ تُبْدُونَها وَتُخْفُونَ كَثِيراً [ الأنعام : 91 ] وقوله : فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُراً [ المؤمنون : 53 ] ونحوه . وقال بعضهم « 1 » : اقتسامهم : وهو أن نفرا من قريش كانوا اقتسموا عقار مكة ؛ ليصدّوا الناس عن رسول الله صلى اللّه عليه وسلّم ؛ فيقول طائفة منهم - إذا سئلوا عنه - : هو كاهن ، وطائفة أخرى : هو شاعر ، ساحر ، مجنون ، ونحوه . وعضين : قولهم : هو : سحر ، شعر ، كهانة ، أساطير الأولين ، افترى على الله كذبا ، وأمثال ما قالوا . فذلك اقتسامهم

--> ( 1 ) قاله البغوي ( 3 / 58 ) .